عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ - مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ -: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ"
ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المخرج في سنن الترمذي وسنن أبي داود وغيرهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ يَقُولُ: "إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النُّشُورُ، وَإِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" (1).
إن من الأذكار العظيمة والأوراد المباركة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على تعلمها والمحافظة عليها كل صباح ومساء ما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المخرج في سنن الترمذي وسنن أبي داود وغيرهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ يَقُولُ: "إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النُّشُورُ، وَإِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" (1).
فهذا دعاء نبوي عظيم، وذكر مبارك، يجدر بالمسلم أن يحافظ عليه كل صباح ومساء، ويتأمل في معانيه الجليلة ودلالاته العظيمة، وكيف أنه قد اشتمل على تذكير المسلم بعظيم فضل الله عليه وواسع منه وإكرامه، فنوم الإنسان ويقظته، وحركته وسكونه، وقيامه وقعوده إنما هو بالله عز وجل، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
وقوله في الحديث: "بِكَ أَصْبَحْنَا" أي: بنعمتك وإعانتك وإمدادك أصبحنا أي أدركنا الصباح، وهكذا المعنى في قوله "وَبِكَ أَمْسَيْنَا".
وقوله: "وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ" أي حالنا مستمر على هذا في جميع الأوقات وسائر الأحوال، في حركاتنا كلها وشؤوننا جميعها، فإنما نحن بك، أنت المعني وحدك، وأزمة الأمور كلها بيده، ولا غنى لنا عند طرفة عين، وفي هذا من الاعتماد على الله واللجوء إليه والاعتراف يمنه وفضله ما يحقق للمرء إيمانه ويقوي يقينه ويعظم صلته بربه سبحانه.
_______________________
(1) سنن الترمذي (رقم: 3391) وسنن أبي داود (رقم: 5068)، وحسنه الألباني - رحمه الله - في صحيح الجامع (رقم: 353).
وقوله في الحديث: "وَإِلَيْكَ النُّشُورُ" أي المرجع يوم القيامة، ببعث الناس من قبورهم، وإحيائهم بعد أماتتهم.
وقوله: "وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" أي المرجع والمآب، كما قال تعالى: {إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰٓ} (1).
وقد جعل صلى الله عليه وسلم قوله: "وَإِلَيْكَ النُّشُورُ" في الصباح، وقوله: "وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" في المساء رعاية للتناسب والتشاكل؛ لأن الإصباح يشبه النشر بعد الموت، والنوم موتة صغرى، والقيام منه يشبه النشر من بعد الموت، قال تعالى: {ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَآيَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ} (2).
والإمساء يشبه الموت بعد الحياة؛ لأن الإنسان يصير فيه إلى النوم الذي يشبه الموت والوفاة. فكانت بذلك خاتمة كل ذكر متجانسة غاية المجانسة مع المعنى الذي ذكر فيه.
ومما يوضح هذا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند قيامه من النوم: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ"، فسمي النوم موتاً والقيام منه حياة من بعد الموت، وسيأتي الكلام على هذا الحديث وبيان معناه عند الكلام على أذكار النوم والانتباه منه إن شاء الله.
_______________________
(1) سورة: العلق، الآية (8).
(2) سورة: الزمر، الآية (42).
ومن أذكار الصباح والمساء ذلكم الذكر العظيم، والدعاء النافع الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه عندما سأله أن يرشده إلى كلمات يقولها كل صباح ومساء، فقد روى الترمذي وأبو داود وغيرهما من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ! مُرْنِي بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ". وفي رواية أخرى: " وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ". قَالَ: "قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ" (1).
فهذا دعاء عظيم يستحب للمسلم أن يقوله في الصباح والمساء وعند النوم، وهو مشتمل على التعوذ بالله والالتجاء إليه والاعتصام به سبحانه من الشرور كلها، من مصادرها وبداياتها ومن نتائجها ونهايتها، وقد بدأه بتوسلات عظيمة إلى الله جل وعلا، بذكر جملة من نعوته العظيمة وصفاته الكريمة، الدالة على عظمته وجلاله وكماله، فتوسل إليه بأنه "فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ"، أي خالقهما ومبدعهما وموجدهما على غير مثال سابق، وأنه "عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ" أي لا يخفى عليه خافية، فهو عليك بكل ما غاب عن العباد وما ظهر لهم، فالغيب عنده شهادة، والسر عنده علانية، وعلمه سبحانه محيط بكل شيء، وتوسل إليه بأنه "رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ" فلا يخرج شيء عن ربوبيته، وهو المالك لكل شيء، فهو سبحانه رب العالمين، وهو المالك للخلق أجمعين، ثم أعلن بعد ذلك توحيده وأقر له بالعبودية، وأنه المعبود بحق ولا معبود بحق سواه فقال: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ"، وكل ذلك جاء مقدمة بين يدي
_______________________
(1) سنن الترمذي (رقم: 3392) (رقم: 3529)، وسنن أبي داود (رقم: 5067) (رقم: 5083)، وصححه الألباني - رحمه الله - في صحيح الترمذي (رقم: 2701).
الدعاء، مظهراً فيه العبد فاقته وفقره واحتياجه إلى ربه، معترفاً فيه بجلاله وعظمته، مثبتاً لصفاته العظيمة ونعوته الكريمة، ثم ذكر بعد ذلك حاجته وسؤاله، وهو أن يعيذه الله من الشرور كلها فقال: "أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ"، وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ" وفي هذا جمع بين التعوذ بالله من أصول الشر ومنابعه، ومن نهاياته ونتائجه، يقول ابن القيم - رحمه الله - في التعليقعلى هذا الحديث: "فذكر - أي النبي صلى الله عليه وسلم - مصدري الشر وهما النفس والشيطان، وذكر مورديه ونهايتيه وهما عوده على النفس أو على أخيه المسلم، فجمع الحديث مصادر الشر وموارده في أوجز لفظه وأخصره وأجمعه وأبينه" (1). فالحديث فيه تعوذ بالله عز وجل من أربعة أمور تتعلق بالشر:
الأول: شر النفس، وشر النفس يولد الأعمال السيئة والذنوب والآثام.
والثاني: شر الشيطان، وعداوة الشيطان للإنسان معلومة بتحريكه لفعل المعاصي والذنوب وتهييج الباطل في نفسه وقلبه.
وقوله: "وَشِرْكِهِ" أي ما يدعو إليه من الشرك، ويروى بفتح الشين والراء، "وَشِرْكِهِ" أي: حبائله.
والثالث: اقتراف الإنسان السوء على نفسه، وهذه نتيجة من نتائج الشر عائدة إلى نفس الإنسان.
والرابع: جرُّ السوء على المسلمين، وهذه نتيجة أخرى من نتائج الشر عائدة إلى الآخرين.
وقد جمع الحديث التعوذ بالله من ذلك كله، فما أجمعه من حديث، وما أعظم دلالته، وما أكمل إحاطته بالتخلص من الشر كله.
_______________________
(1) بدائع الفوائد (2/ 209).
التصنيف | أذكار طرفي النهار |
المصدر | الدَّعَوَاتُ وَالْأَذْكَارْ اَلمَأثُورَةُ عَنِ النَّبِيَّ المُخْتَار صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَومِ وَاللَّيْلَةِ |
عدد المشاهدات | 0 |